ابن الجوزي
51
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فبكى المنصور بكاء شديدا حتى ارتفع صوته / ، ثم قال : يا ليتني لم أخلق ولم 24 / أأك شيئا . ثم قال : كيف احتيالي فيما خوّلت ولم أر من الناس إلا خائنا . قال : يا أمير المؤمنين ، عليك بالأئمة الأعلام المرشدين . قال : ومن هم ؟ قال : العلماء . قال : قد فرّوا مني . قال : هربوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر ما من طريقتك ، ولكن افتح الأبواب ، وسهّل الحجاب ، وانتصر للمظلوم ، وامنع الظالم ، وخذ الشيء مما حلّ وطاب واقسمه بالعدل ، وأنا ضامن لك عن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك . فقال المنصور : اللَّهمّ وفقني أن أعمل بما قال [ 1 ] هذا الرجل . وجاء المؤذنون فسلموا عليه ، وأقيمت الصلاة ، فخرج فصلى بهم ثم قال للحارس : عليك [ 2 ] بالرجل ، فلئن لم تأتني به لأضربنّ عنقك . واغتاظ عليه غيظا عظيما ، فخرج الحرسي يطلب الرجل ، فبينا هو يطوف إذا هو بالرجل قائم يصلي ، فقعد حتى صلى ، ثم قال : يا ذا الرجل ، أما تتقي الله ؟ قال : بلى . قال : ما تعرفه ؟ قال : بلى . قال : فانطلق معي فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك . قال : ليس إلى ذلك سبيل . قال : يقتلني . قال : ولا يقتلك . قال : كيف ؟ قال : تحسن تقرأ ؟ قال : لا . قال : فأخرج من مزود كان معه رقاع فيه شيء مكتوب ، فقال : خذه فاجعله في جيبك ، فإن فيه دعاء الفرج . قال : وما دعاء الفرج ؟ قال : لا يرزقه إلَّا السعداء . قال : رحمك الله فقد أحسنت إليّ ، فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله ؟ قال : من دعا به صباحا ومساء هدمت ذنوبه ، ودام سروره ، ومحيت خطاياه ، واستجيب دعاؤه ، وبسط له في رزقه ، وأعطي أمله ، وأعين على عدوّه ، وكتب عند الله صدّيقا ، ولا يموت إلا شهيدا ، تقول : اللَّهمّ كما لطفت في بعظمتك دون اللطفاء ، وعلوت بعظمتك على العظماء ، وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك ، وكانت / وساوس الصدور كالعلانية عندك ، وعلانية القول 24 / ب كالسّر في علمك ، فانقاد كل شيء لعظمتك ، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك ، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك ، اجعل لي من كل همّ أمسيت فيه فرجا ومخرجا . اللَّهمّ إن عفوك عن ذنوبي ، وتجاوزك عن خطيئتي ، وسترك على قبيح عملي ، أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك ، فصرت أدعوك آمنا ، وأسألك مستأنسا ، وإنك المحسن إليّ وإني
--> [ 1 ] في الأصل : « أن أعمل بها قال » وما أثبتناه من ت . [ 2 ] في ت : « عليكم » وما أثبتناه من الأصل .